السيد محمد باقر الصدر

91

المدرسة القرآنية ( تراث الشهيد الصدر ج 19 )

إذن القانون الموضوع بنهج القضية الشرطية موجّه عملي للإنسان في حياته . ومن هنا تتجلّى حكمة اللَّه سبحانه وتعالى في صياغة نظام الكون على مستوى القوانين وعلى مستوى الروابط المطّردة والسنن الثابتة ؛ لأنّ صياغة الكون ضمن روابط مطّردة وعلاقات ثابتة هو الذي يجعل الإنسان يتعرّف على موضع قدميه ، وعلى الوسائل التي يجب أن يسلكها في سبيل تكييف بيئته وحياته والوصول إلى إشباع حاجته . لو أنّ الغليان في الماء كان يحدث صدفة ومن دون رابطة قانونية مطّردة مع حادثة أخرى كالحرارة ، إذن لما استطاع الإنسان أن يتحكم في هذه الظاهرة ، أن يخلق هذه الظاهرة متى ما كانت حياته بحاجة إليها ، وأن يتفاداها متى ما كانت حياته بحاجة إلى تفاديها ، إنّما كان له هذه القدرة باعتبار أنّ هذه الظاهرة وضعت في موضع ثابت من سنن الكون وطرح على الإنسان القانون الطبيعي بلغة القضية الشرطية ، فأصبح ينظر في نور لا في ظلام ، ويستطيع في ضوء هذا القانون الطبيعي أن يتصرّف . نفس الشيء نجده في الشكل الأول من السنن التاريخية القرآنية ، فإن عدداً كبيراً من السنن التاريخية في القرآن قد تمّت صياغته على شكل القضية الشرطية التي تربط ما بين حادثتين اجتماعيتين أو تاريخيتين ، فهي لا تتحدّث عن الحادثة الأولى أنّها متى توجد ومتى لا توجد ، لكن تتحدّث عن الحادثة الثانية ، بأ نّه متى ما وجدت الحادثة الأولى وجدت الحادثة الثانية . قرأنا فيما سبق استعراضاً للآيات الكريمة التي تدلّ على سنن التاريخ في القرآن ، جملة من تلك الآيات الكريمة مفادها هو السنة التاريخية بلغة القضية الشرطية . تتذكرون ما قرأناه سابقاً : « إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ » « 1 » ، هذه السنة

--> ( 1 ) الرعد : 11